بعد عقود من وجوده في خلفية حياتنا الرقمية، يدخل الذكاء الاصطناعي اليوم مرحلة جديدة مع صعود «الذكاء الاصطناعي التوليدي» الذي يعد بإحداث نقلة نوعية في طريقة استخدام الأفراد والشركات للتقنية، من التوصيات البسيطة إلى إنشاء المحتوى المعقد. ويأتي هذا التحول في وقت أصبحت فيه خوارزميات التعلم الآلي جزءًا أساسيًا من منصات البث والتجارة الإلكترونية والإعلانات الرقمية حول العالم.

الذكاء الاصطناعي حاضر في حياتنا اليومية منذ سنوات

رغم ارتباط مصطلح الذكاء الاصطناعي في أذهان كثيرين بأفلام الخيال العلمي مثل «المدمر» و«ماتريكس»، فإن التقنية نفسها تعمل بصمت منذ سنوات في التطبيقات والخدمات التي يستخدمها الناس يوميًا. فعند انتهاء مشاهدة فيلم على منصة بث ومشاهدة قائمة مقترحات فورية لأعمال مشابهة، تكون خوارزميات الذكاء الاصطناعي هي التي تحلل سلوك المشاهدة لتقديم توصيات مخصصة.

وينطبق الأمر ذاته على مواقع التجارة الإلكترونية؛ فعندما يفتح المستخدم صفحة منتج ليجد أسفلها قسمًا كاملًا بعنوان «قد يعجبك أيضًا» أو «منتجات مشابهة»، فإن هذه الترشيحات لا تُعرض عشوائيًا، بل تعتمد على أنظمة تحليل بيانات وسلوك شراء ملايين المستخدمين لإبراز المنتجات الأكثر احتمالًا لجذب انتباهه.

خوارزميات الإعلانات الرقمية والقلب الخفي للإنترنت التجاري

الإعلانات التي تظهر للمستخدمين على المواقع والتطبيقات لا تُختار يدويًا في معظم الأحيان، بل تُدار عبر منصات إعلانية تستخدم خوارزميات تعلم آلي متقدمة. هذه الخوارزميات تحلل بيانات الاستخدام في الوقت الفعلي، من نوع الجهاز والموقع الجغرافي إلى الاهتمامات وأنماط التصفح، بهدف تحسين معدلات التفاعل والنقر والتحويل إلى عمليات شراء أو تسجيل.

وتعتمد الشركات على هذا النمط من الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة إنفاقها الإعلاني، إذ تُضبط الحملات تلقائيًا وفق الأداء، فتزيد ميزانية الإعلانات المؤثرة وتتراجع الإعلانات غير الفعالة، ما يجعل الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًا في منظومة الإعلان الرقمي العالمية.

الأتمتة الذكية في الشركات: من القواعد إلى التعلم الآلي

على مستوى الأعمال، تعتمد المؤسسات منذ سنوات على مزيج من الأتمتة القائمة على القواعد (Rule-based Automation) وروتينات البرمجة التقليدية وخوارزميات التعلم الآلي لتشغيل أنظمتها ورفع كفاءتها. وتشمل هذه التطبيقات أنظمة إدارة المخزون، وكشف الاحتيال في المعاملات المالية، وتحليل بيانات العملاء، ودعم مراكز الاتصال عبر الدردشة الآلية.

هذه الأنظمة لا «تفكر» بالمعنى الذي يقدمه الخيال العلمي، لكنها قادرة على معالجة كميات كبيرة من البيانات وتنفيذ مهام متكررة بسرعة وبدقة، ما يوفر الوقت والتكاليف على الشركات، ويمهد في الوقت نفسه لمرحلة أكثر تقدمًا من الذكاء الاصطناعي.

الانتقال إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي: خطوة نحو المستقبل

في حين اعتمدت أجيال الذكاء الاصطناعي السابقة على تحليل البيانات واتخاذ قرارات أو تقديم توصيات بناءً على أنماط سابقة، يركز «الذكاء الاصطناعي التوليدي» (Generative AI) على إنشاء محتوى جديد بالكامل، سواء كان نصوصًا أو صورًا أو صوتًا أو حتى شيفرة برمجية. هذا التحول ينقل التقنية من مرحلة «المساعدة في الاختيار» إلى مرحلة «المشاركة في الإبداع والإنتاج».

تستخدم هذه النماذج التوليدية شبكات عصبية عميقة دُرِّبت على كميات كبيرة من البيانات، ما يسمح لها بتوليد مخرجات تبدو أقرب فأقرب إلى ما ينتجه البشر. وتستثمر الشركات العالمية في هذه التقنيات لتطوير أدوات كتابة آلية، ومساعدين أذكياء، ومنصات تصميم مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحلول برمجة أكثر سرعة ومرونة.

لماذا يُعد الذكاء الاصطناعي التوليدي محطة مفصلية؟

يُنظَر إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي باعتباره مرحلة مفصلية لأنه يوسِّع دور الذكاء الاصطناعي من تحسين العمليات القائمة إلى ابتكار طرق جديدة للعمل والإنتاج. في قطاع الإعلام مثلًا، يمكن للأدوات التوليدية المساعدة في إعداد مسودات أولية للمحتوى أو اقتراح عناوين وصور، وفي قطاع البرمجة يمكنها تسريع كتابة الشيفرة واكتشاف الأخطاء.

هذا التطور يفتح الباب أمام نماذج أعمال جديدة ويثير في الوقت ذاته نقاشًا واسعًا عن مستقبل الوظائف، وحدود استخدام المحتوى المولَّد آليًا، وأطر الحوكمة التي ينبغي أن ترافق انتشار هذه التقنيات، في ظل سباق عالمي متسارع للاستفادة من قدراتها.

By Admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *