تتجه المنافسة بين كبرى شركات الذكاء الاصطناعي هذا العام نحو قطاع جديد وحسّاس، وهو قطاع الرعاية الصحية، في تحول لافت بعد سنوات ركّزت فيها الشركات على تطوير أدوات موجهة أساسًا لمطوري البرمجيات، أو لعامة المستخدمين.

OpenAI تشعل شرارة السباق

أعلنت شركة OpenAI، يوم الخميس، إطلاق نسخة مخصّصة من ChatGPT لدعم الأطباء والعاملين في القطاع الطبي باسم “OpenAI for Healthcare“، وتهدف إلى المساعدة في تحليل الحالات الطبية، وتخصيص خطط رعاية المرضى، وتقليل الأعباء الإدارية. وأوضحت الشركة أن الأداة الجديدة تعتمد على استشهادات مُحسّنة من مصادر طبية موثوقة، كما أنها متوافقة مع قانون حماية خصوصية المعلومات الصحية الأمريكي (HIPAA).

وبدأت OpenAI بالفعل طرح الأداة داخل مؤسسات طبية كبرى، منها مستشفى بوسطن للأطفال، ومركز ميموريال سلون لعلاج السرطان، ومركز سيدارز سيناي الطبي في لوس أنجلوس.

وقبل ذلك، كشفت الشركة عن ميزة جديدة باسم ChatGPT Health، موجّهة للمستخدمين العاديين، تتيح لهم تحليل نتائج الفحوصات الطبية، والاستعداد لمواعيد الأطباء، والحصول على ملاحظات على الأنظمة الغذائية والتمارين الرياضية. وشدّدت OpenAI على أن الخدمة تأتي كمكمّل لإرشادات المتخصصين، لا كبديل عنهم.

وفي المقابل، تكثّف شركة أنثروبيك هي الأخرى حضورها في هذا المجال، وقد أطلقت حديثًا تحديثات لروبوت المحادثة Claude لتسريع الاكتشافات العلمية، كما تستعد لتنظيم حدث الأسبوع المقبل تستعرض خلاله رؤيتها لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.

فرص محفوفة بالأخطار

منذ انطلاقة موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل ثلاثة أعوام، حاولت شركات التقنية توظيف هذه التقنيات في مجالات مثل اكتشاف الأدوية، وأتمتة الأعمال الورقية الطبية، وتحليل سجلات المرضى، كما شهدت أدوات متخصصة، مثل OpenEvidence التي تساعد الأطباء في الاطلاع على أحدث الأبحاث، انتشارًا متزايدًا داخل المجتمع الطبي.

وترى OpenAI وأنثروبيك أن التوسع في الرعاية الصحية يشكّل فرصة لتعزيز الإيرادات وترسيخ منتجاتهما في الحياة اليومية، في وقت تسعيان فيه إلى تعويض التكاليف المتصاعدة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإثبات فائدتها العملية على نطاق واسع. ويرافق هذا التوجه قدر كبير من المخاطر، أبرزها التعامل مع بيانات شخصية شديدة الحساسية، والعمل داخل قطاع يخضع لتنظيم صارم، فضلًا عن احتمال وقوع أخطاء قد تكون عواقبها مصيرية.

ويحذّر متخصصون من خطورة الاعتماد غير المحسوب على هذه الأدوات؛ لأن الخطأ في اقتراح وجهة سفر ليس كمنح نصيحة طبية خطأ قد تؤثر في قرار ذهاب المريض إلى قسم الطوارئ مثلًا، وما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة.

وتؤكد OpenAI أن ChatGPT Health لا تقدّم تشخيصات رسمية، بل تركّز على توفير معلومات صحية عامة. وذكرت الشركة أنه حتى قبل إطلاق الميزة الجديدة، كان أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة تتعلق بالصحة والعناية الشخصية على ChatGPT أسبوعيًا. وفي الوقت نفسه، بدأ الأطباء أنفسهم استخدام هذه الأدوات؛ إذ أفاد تقرير للجمعية الطبية الأمريكية بأن ما يصل إلى ثلثي الأطباء استخدموا تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال عام 2024.

طلب متزايد داخل المستشفيات

قال نيت غروس، الطبيب والمؤسس المشارك لمنصة Doximity، الذي انضم إلى OpenAI العام الماضي لقيادة جهودها الصحية، إن هناك طلبًا مكبوتًا كبيرًا داخل المستشفيات، مشيرًا إلى أن العاملين فيها يعتمدون على ChatGPT بنحو متكرر لإنجاز مهامهم اليومية.

وفي مستشفى بوسطن للأطفال، يؤكد جون براونستين، نائب الرئيس وكبير مسؤولي الابتكار، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في دعم التشخيص يُعد من أكثر حالات الاستخدام انتشارًا بين الأطباء. وأوضح أن نحو 30% من موظفي المستشفى يستخدمون بالفعل أداة مخصّصة مبنية على تقنيات OpenAI، لكنه أقرّ في الوقت نفسه بمخاوفه من احتمالية وقوع “حادث سلبي” ناتج عن خطأ للذكاء الاصطناعي قد يعيد المجال كلّه إلى الوراء.

ومع هذه التحفظات، يرى براونستين أن التحسينات التراكمية في الأداء قد تفوق الحوادث السلبية المحتملة على المدى الطويل، على غرار ما يحدث في تقنيات القيادة الذاتية.

وفي المقابل، يشير خبراء إلى أن التحدي لا يقتصر على التنافس بين شركات الذكاء الاصطناعي نفسها، بل يمتد إلى أدوات تقليدية متخصصة تقدم دعمًا دقيقًا للأطباء، مثل تفريغ الملاحظات الطبية وتحليل صور الأشعة، مما يجعل معركة الرعاية الصحية إحدى أصعب ساحات المنافسة التقنية في السنوات المقبلة.

By Admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *